محمد عبد الله دراز
296
دستور الأخلاق في القرآن
عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ « 1 » ، وكذا قوله : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا « 2 » ، بتفسيره الّذي ذكرناه آنفا . وقد يقال : إذا كانت هذه هي الأهمية الّتي تخص بها النّيّة ، أو القصد ، وإذا كانت المسؤولية الأخلاقية دائما ذات ارتباط بهذه النّيّة ، أو القصدية ، أفلا يستتبع ذلك أن تصبح « النّيّة » في رأيك هي كلّ « الأخلاقية » ، أو كما يعبر « كانت » : ( إنّ الشّيء الوحيد في العالم الّذي هو خير في ذاته هو الإرادة الطّيبة ) ؟ . هيهات أن يكون ذاك ، لا لأنّ من التّناقض أن نضع الخير المطلق في حالة شخصية تناسب ضمير كلّ فرد « 3 » ، لأنّ النّسبية الوجودية لهذه الحالة لا تحول دون أن تكون لها قيمة أخلاقية مطلقة . ولكن ما يدفعنا إلى رفض هذه النّظرية هو أنّها أوّلا تجرد السّلوك من كلّ قيمة خاصة ، ثمّ هي بعد ذلك - حين تغالي في تقدير النّيّة في العمل - تقع في ذلك التّناقض الّذي يجعل كلّ شيء حسنا ما دمت تصطحب في فعله نيّة أن يكون حسنا ، حتّى ما كان من الأعمال غريبا ، أو مستحيلا . وأخيرا ، فإنّ هذه النّظرية ، حين تكون منطقية مع نفسها بكلّ دقة ، تؤدي إلى إلغاء كلّ تقدم ، وإزالة كلّ تفاوت في القيمة الأخلاقية . فإذا كانت النّيّة الحسنة هي كلّ الأخلاقية فيجب أن نعامل على قدم المساواة - ضمائر ، وأعمالا جدّ متباعدة على سلم القيم . ومن ذلك أنّ أكثر النّاس جهلا ، وأكثرهم تعصبا ، حين
--> ( 1 ) الأحزاب : 5 . ( 2 ) البقرة : 286 . ( 3 ) انظر : 1 - Paul Janet , la Morale , L . I , p . 42 :